الباب السابع – شركة الشخص الواحد

شركة الشخص الواحد، أو “المشروع الفردي محدود المسؤولية”، أو التي نقترح اختصار تسميتها إلى (الشركة الفردية)، هو نظام قانوني يجيز للشخص أن يُكوِّن مشروعاً بمفرده يعترف له القانون بالشخصية القانونية الاعتبارية المستقلة في شكل شركة فردية يكون لها ذمة مالية مستقلة، ويخصص مالاً محدداً للمشروع، ويعترف القانون لهذا الشخص بتحديد مسؤوليته عن التزامات هذا المشروع بقدر المال الذي خصصه للشركة الفردية دون أن يُسأل في بقية ذمته المالية.



تتميز الذمة المالية بارتباطها الوثيق بالشخصية القانونية وجوداً وعدماً، فهي تُوجَد بوجود الشخصية القانونية وتنتهي بانتهائها. ويظهر ارتباط الذمة المالية بالشخصية القانونية في الكثير من المظاهر، نذكر منها:[1]

(أ) لا تثبت الذمة المالية إلا للأشخاص القانونية طبيعية كانت أو اعتبارية.

(ب) لا يكون للشخص إلا ذمة مالية واحدة، فما دامت الشخصية القانونية لا تتعدد، فإن الذمة القانونية أيضاً لا تتعدد.

(ج) تطبق على الذمة المالية ذات أحكام الشخصية القانونية: فلا تتعدد ولا تتجزأ ولا يجوز التنازل عنها.

فالشخص (الطبيعي أو الاعتباري) له ذمة مالية واحدة ولا تتعدد بتعدد الإلتزامات، وتُعتبر الذمة المالية للشخص ضامنة للوفاء بجميع ديونه أياً كان نوعها، وذلك إعمالاً لمبدأ وحدة الذمة المالية وتنحية لفكرة تخصيص الذمة المالية التي مؤداها أن يكون للشخص الواحد ذمته المالية الأصلية، وفي ذات الوقت ذمة مالية أخرى مخصصة لغرض معين.[2]

أختلف مع كل من يرى في فكرة شركة الشخص الواحد أو الشركة الفردية خروجاً على مبدأ وحدة الذمة المالية. وأرى أن العكس هو الصحيح، إذ أن المشرع في حقيقة الأمر قد أبقى على وحدة الذمة المالية للشخص، ولكنه خرج على فكرة الشكل التعاقدي للشركة بأن أجاز للأشخاص تأسيس شركة بالإرادة المنفردة وأخضعها للأحكام التي تخضع لها الشركات، ولقد رتب المشرع على ذلك أن يكون لتلك الشركة الفردية ذمة مالية مستقلة كأثر لازم وتابع لتمتعها بالشخصية القانونية المستقلة، أما الذمة المالية لمؤسس شركة الشخص الواحد أو الشركة الفردية، فإنها تبقى مستقلة وغير قابلة للتجزئة، بل يجب على هذا المؤسس أن يُبقي ذمته مستقلة عن الذمة المالية لشركة الشخص الواحد وإلا ترتب على ذلك أن يُسأل في ذمته الخاصة عن التزامات شركته.[3]

لقد كان ركن تعدد الشركاء أحد سمات النظام القانوني للشركة في ظل قانون الشركات التجارية الأول، إذ لم يكن هناك وجود لشركة الشخص الواحد في نطاق قانون الشركات رقم 15/1960، الذيلم يقر شركة الشخص الواحد ضمن أشكال الشركات التي يعترف بها.

إلا أنه بالنسبة لشركات المساهمة، صدر المرسوم الأميري رقم 39/1960 الذي بموجبه تم تعديل البند 4 من المادة 70 من قانون الشركات التجارية المذكور، وبموجب هذا التعديل أجاز المشرع أن تنفرد الحكومة بتأسيس شركات المساهمة أو أن تشترك في تأسيسها بعدد شركاء أقل من الحد الأدنى الذي كانت تنص عليه المادة 70 المذكورة التي كانت تشترط ألا يقل عدد المؤسسين عن خمسة. حيث أصبح البند (4) المذكور بعد تعديله ينص على الآتي: “…. ولا يجوز أن يقل هؤلاء عن خمسة أشخاص ويستثنى من ذلك الشركات التي تقوم الحكومة بتأسيسها فيجوز لها أن تنفرد بالتأسيس أو أن تشرك فيه عدداً أقل”.

وفي ظل نص المادة 70/4 شركات وُجدت الشركات المملوكة بنسبة 100% لشخص واحد من أشخاص القانون العام، وأكبر مثال على ذلك شركة نفط الكويت المملوكة بنسبة 100% لمؤسسة البترول الكويتية.[4] حيث نصت المادة 3 من القانون 10/1976 المعدلة بالقانون رقم 118/1977 على أن:

“تستمر شركة نفط الكويت (شركة مساهمة كويتية) في مباشرة أعمالها كشركة تجارية طبقًا لنظامها الأساسي، ..، ويتولى المجلس الأعلى للبترول اختصاصات الجمعية العمومية، العادية وغير العادية، المنصوص عليها في النظام الأساسي. …”.

ومن ثم يمكن تلخيص الوضع القانوني في ظل القانون 15/1960 في أنه فيما عدا الاستثناء الوحيد المقرر للحكومة في تأسيس شركة شخص واحد، كان لا بد لقيام الشركة أن يتوافر ركن تعدد الشركاء. وكان على كل من يرغب في ممارسة النشاط في كيان مملوك له بالكامل بمفرده أن يؤسس منشأة فردية لا يتوافر لها الشخصية الاعتبارية ولا الذمة المالية المستقلة، ومن ثم تكون هذه المنشأة الفردية أحد عناصر ذمته المالية الشخصية ويكون مسؤولاً في ماله الخاص عن الديون الناشئة عن ذلك النشاط الذي يمارسه من خلال تلك المنشأة الفردية. ولقد استمر الحال كذلك إلى أن أخذ المشرع بفكرة شركة الشخص الواحد مع صدور المرسوم بقانون رقم 25/2012 والذي حل محله قانون الشركات رقم 1/2016، إذ تنص المادة 4 من القانون 1/2016 على الآتي:

“تتخذ الشركة أحد الأشكال التالية: ….. 7-شركة الشخص الواحد.

وكل اتفاق لم يتخذ أحد الأشكال المشار إليها في الفقرة السابقة يكون الأشخاص الذين أبرموه مسؤولين شخصياً وبالتضامن عن الالتزامات الناشئة عنه”.

قبل إقرار المشرع لشركة الشخص الواحد، كان في الفقه من يرى أن “نظام شركة الفرد الواحد أو نظام المشروع الفردي محدود المسؤولية .. نظام لا بأس به، .. من الأفضل الأخذ به صراحة لصاحب التجارة نفسه أو للغير”.

وكان سند هذا الرأي أن الشخص قد يفضل على الأقل في بداية عهده بالتجارة أن يلجأ إلى تحديد مسؤوليته بقدر معين في ذمته المالية خشية الفشل وما يترتب عليه من آثار قد تودي بكل ذمته المالية، كذلك الشأن بالنسبة للمشروعات الصغير للشباب، وقد يفضل الشخص القيام بالعمل بمفرده مع تحديد مسؤوليته في الوقت ذاته. كما وأن الغير لن يضار بذلك نظراً لأنه يعلم مسبقاً بوسائل الشهر وبالقيد في السجل التجاري مدى مسؤولية صاحب الشركة أو المشروع الفردي، ورأس المال المخصص للتجارة بوصفه الضمان العام للدائنين. [5]

لقد تناول قانون الشركات شركة الشخص الواحد في الباب السابع المكون من 7 مواد، هي المواد من 85 وحتى 91. والتي خصص كل منها لتناول الموضوعات الآتية:

المادة 85 – مفهوم شركة الشخص الواحد. والتحول الوجوبي إلى شركة ذات مسؤولية محدودة إذا تعدد ملاكها.

المادة 86 – البيانات الوجوبية في نظامها الأساسي.

المادة 87 – بعض أحكام رأس مال شركة الشخص الواحد.

المادة 88 – رهن حصص الشركة والحجز عليها.

المادة 89 – إدارة شركة الشخص الواحد.

المادة 90 – الحالات التي يُسأَل فيها مالك شركة الشخص الواحد في أمواله الخاصة عن التزامات الشركة.

المادة 91 – جعلت أحكام شركة المسؤولية المحدودة هي التي تحكم شركة الشخص الواحد فيما لم يرد بشأنه نص خاص في الباب السابع من القانون.

في عام 2023 صدر قراري وزارة التجارة والصناعة رقمي 82 و86 بشأن (الأنشطة ذات الطبيعة الخاصة)، والتي يُقصد بها شركات الشخص الواحد التي تمارس الأنشطة التي وصفتها الوزارة أنها أنشطة ذات طبيعة خاصة، أي التي يباشر فيها النشاط دون الحاجة إلى عُمال أو محل تجاري أو موافقة جهات رقابية أخرى، ولسوف نعرض إلى مضمون هذين القرارين في مبحث مستقل.

صدر قرار وزارة التجارة والصناعة رقم 168/2025 بشأن تنظيم أنشطة الأعمال الحرة، والمعنية بالشركات التي تمارس أنشطة الأعمال الحرة – الأعمال متناهية الصغر والأنشطة ذات الطبيعة الخاصة.

وسنخصص مبحث مستقل – عنوانه “شركة الشخص الواحد التي تزاول نشاط مستشار الاستثمار“- نعرض فيه إلى مضمون اللائحة التنفيذية لقانون أسواق المال المعدلة بموجب القرار اللائحي الصادر من هيئة أسواق المال بتاريخ 25/10/2022 برقم 166/2022 بشأن “تطوير نشاط مستشار الاستثمار وترخيص شركة الشخص الواحد لمزاولة نشاط أوراق مالية وسجل المحللين الماليين”[6]، حيث تضمن القرار المشار إليه بعض الأحكام التي تتعلق بتأسيس شركات الشخص الواحد التي يتم تأسيسها للقيام بنشاط مستشار استثمار، والتي جاءت كتعديل لأحكام الباب الخامس من اللائحة التنفيذية لقانون أسواق المال.

مادة (85)

يُقصَد بشركة الشخص الواحد – في تطبيق أحكام هذا القانون – كل مشروع يمتلك رأس ماله بالكامل شخص واحد طبيعي أو اعتباري، ولا يُسأل مالك الشركة عن التزاماتها إلا بمقدار رأس المال المخصص للشركة.

وإذا تعدد ملاك حصص رأس مال الشركة – لأي سبب من الأسباب – تحولت بقوة القانون إلى شركة ذات مسؤولية محدودة.

مادة (86)

يكون لشركة الشخص الواحد نظام أساسي يشتمل على اسم الشركة وغرضها، ومدتها، وبيانات مالكها، وكيفية إدارتها، وتصفيتها، وغيرها من الأحكام التي تحددها اللائحة التنفيذية.

مادة (87)

يجب أن يكون رأس مال الشركة كافيا لتحقيق أغراضها، ويكون مدفوعا بالكامل، وتبين اللائحة التنفيذية الحد الأدنى لرأس مال الشركة، ويقسم رأس المال إلى حصص متساوية القيمة غير قابلة للتجزئة، ويجوز أن يشمل رأس المال حصصا عينية تقيّم وفقا للأحكام المنصوص عليها في المادة 11 من هذا القانون.

مادة (88)

يجوز رهن حصص رأس مال الشركة، كما يجوز الحجز عليها وبيعها وفقاً لأحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية، وإذا وقع البيع على جزء من الحصص تحولت الشركة بقوة القانون إلى شركة ذات مسؤولية محدودة إعتبارا من تاريخ التأشير بحكم مرسى المزاد، وفي جميع الأحوال يجب نشر حكم مرسى المزاد وإعلانه.

مادة (89)

يدير الشركة مالك رأس المال ويجوز أن يعين لها مديرا أو أكثر يمثلها لدى القضاء والغير ويكون مسؤولا عن إدارتها أمام المالك. على أن أي قرار بتعيين المدير لا يكون نافذا إلا بعد قيده في السجل التجاري.

مادة (90)

إذا قام صاحب رأس مال الشركة بسوء نية بتصفيتها أو وقف نشاطها قبل انتهاء مدتها أو قبل تحقيق الغرض من إنشائها كان مسؤولا عن التزاماتها في أمواله الخاصة.

ويكون مسؤولا في أمواله الخاصة إذا ثبت أنه لم يفصل بين ذمته المالية والذمة المالية للشركة بما يضر الغير الحسن النية.

مادة (91)

مع مراعاة أحكام هذا الباب، تسري على شركة الشخص الواحد الأحكام المنظمة للشركة ذات المسؤولية المحدودة بما لا يتعارض مع طبيعتها.


أضف تعليق