تمييز 20190600

مقدمة باب المحاصةالمادة 76 شركات


يكتسب هذا الحكم أهمية بالغة حيث يتناول مسألة جوهرية تتمثل في التمييز الدقيق بين عقد استثمار الأموال لحساب الغير، وشركة المحاصة. من خلال هذا الحكم، رسخت محكمة التمييز معياراً واضحاً للتكييف القانوني لهذه العلاقة التعاقدية المعقدة، مؤكدةً على أن العبرة في تكييف العقود هي بحقيقة الواقع والنية المشتركة للمتعاقدين، وليس بمجرد الشكل الظاهري للتعاقد أو الطبيعة القانونية لأحد أطرافه.

تتلخص وقائع النزاع في قيام الطاعن (يوسف) برفع دعوى ضد الشركة المطعون ضدها (تي ماس العقارية)، وهي شركة ذات مسؤولية محدودة، يطالبها فيها بسداد مبلغ 33,735 ديناراً كويتياً. يستند هذا المبلغ إلى عقد “تخارج” جاء لتصفية العلاقة الناشئة عن عقد سابق بموجبه شارك الطاعن في مشروع عقاري تمتلكه (تي ماس العقارية) في تركيا. وعندما رغب الطاعن في إنهاء هذه الشراكة، تم تحرير عقد التخارج الذي حدد مستحقاته بالمبلغ المذكور.

إلا أن محكمة أول درجة ومحكمة الاستئناف رفضتا الدعوى. ولقد استند قضاؤهما إلى أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة استثمار أموال لحساب الغير، وهو نشاط محظور على الشركة المطعون ضدها كونها شركة ذات مسؤولية محدودة، مما يجعل العقدين (عقد الاستثمار الأصلي وعقد التخارج اللاحق) باطلين.

بنى الطاعن طعنه على أساس أن محكمة الموضوع قد أخطأت في تكييف العلاقة القانونية. ودفع الطاعن بأن العلاقة في جوهرها هي علاقة شراكة في شركة محاصة، وليست مجرد استثمار أموال. واستدل على ذلك بعدة قرائن، أهمها:

  1. أن العقد منحه حصة محددة في مشروع عقاري بعينه.
  2. أن العقد منحه الحق، كشريك، في الاطلاع على السجلات والمستندات المحاسبية للمشروع.
  3. أن عقد التخارج هو عقد مستقل لتصفية وتسوية الحساب بين الطرفين، وهو يمثل تقايلاً عن العقد السابق واستبدالاً للالتزام بالتزام جديد، مما يمنع الشركة المطعون ضدها من الدفع ببطلان العقد الأول الذي انقضى بالفعل.

قبلت محكمة التمييز الطعن ورأت أنه “في أساسه سديد”، وألغت الحكم المطعون فيه، وقضت مجدداً بإلزام الشركة بسداد المبلغ المطالب به. وأوردت في قضائها ما نصه:

“المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن النص في الفقرة الأولى من المادة 217 من القانون المدني على أن “للمتعاقدين أن يتقايلا عن العقد برضائهما بعد انعقاده ما بقي المعقود عليه قائماً موجوداً في يد أحدهما” والنص في المادة 218 من ذات القانون على أن “تعتبر الإقالة من حيث أثرها بمثابة الفسخ في حق المتعاقدين …” يدل على أن التقايل أو التفاسخ يقوم على تراضي طرفي العقد بعد إبرامه وقبل انقضائه على إزالته، والتقايل كما يكون بإيجاب وقبول صريحين يكون أيضاً بإيجاب وقبول ضمنيين ويشترط أن يكون كاشفاً عن إرادتي طرفي العقد وتلاقيهما على حل العقد، وأن العبرة في تكييف العقود هي بحقيقة الواقع والنية المشتركة التي اتجهت إليها إرادة المتعاقدين”.

ثم أوردت محكمة التمييز في حكمها ما نصه:

“شركة المحاصة هي بحسب طبيعتها وفق حكم المواد 76، 77، 78 من قانون الشركات التجارية شركة تجارية تعقد بين شخصين أو أكثر وتكوينها لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين وحدهم اذ لا مانع قانوناً من تكوينها من أشخاص اعتباريين أو منهما معاً، وهي مقصورة على العلاقة فيما بينهما ويتولى إدارتها أحد شركائها الطبيعيين أو الاعتباريين إلا أنه لا يمثلها قانوناً لأن تعامله مع الغير إنما يكون باسمه الخاص وهي تتسم بالخفاء ولا تتمتع بالشخصية المعنوية وليس لها رأس مال ولا عنوان، وبالتالي فهي لا تملك الحصص التي يقدمها الشركاء ولا ما يشتريه كل منهم من بضائع باسمه خاصة بل تعتبر ملكاً له دون غيره من بقية الشركاء متى كانت معينة بالذات رغم انتقالها إلى حيازة الشريك مدير المحاصة، أما إذا كانت الحصة غير معينة بالذات كما لو كانت حصة نقدية فإنها تنتقل إلى ملكية مدير المحاصة، وتصبح ديناً لمقدمها في ذمة المدير ومؤدى ذلك- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- أن الشركة لا تصفى إذا ما وجب فسخها، وإنما يقتصر الأمر فيها على تسوية الحساب بين الشركاء لتحديد نصيب كل منهم في الربح والخسارة وفقاً لما اتفقوا عليه في العقد المبرم بينهم ويسري على هذا العقد بوجه عام المبادئ المقررة في عقد الشركة كما تقضي المبادئ العامة التي تحكم عقود الشركات فإذا إقتصر العقد على بيان الأنصبة في الريح دون الخسارة فإن نصيب الشريك في الخسارة يكون مساوياً لنصيبه في الريح ، ومن ثم يكون للشركاء مطالبة مدير الشركة بحساب لمعرفة مقدار الربح والخسارة، ويعتبر كل منهما دائناً للمدير بحصته وبنصيبه في الربح، ولما كان عقد شركة المحاصة يعتبر من العقود الملزمة للجانبين ومن ثم فهو يخضع للقواعد العامة التي تخضع لها هذه العقود فيرد عليه الفسخ والبطلان إذا ما توافرت الشروط المقررة لأيهما وفي هذه الحالة يجب إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كان عليها قبل التعاقد، ولما كانت المادة 209 من القانون المدني تنص على أنه في العقود الملزمة للجانبين إذا لم يوف أحد المتعاقدين بالتزامه عند حلول أجله وبعد إعذاره جاز للمتعاقد الأخر إن لم يفضل التمسك بالعقد أن يطلب من القاضي فسخه، وأنه ولئن كانت المادة 187 من قانون الشركات التجارية(*) تحظر على الشركات ذات المسئولية المحدودة القيام بأعمال التأمين أو أعمال البنوك أو إستثمار الأموال لحساب الغير بوجه عام وكانت الشركة المطعون ضدها على ما يبين من الأوراق شركة ذات مسئولية محدودة فإنه يحظر عليها قانوناً أن تتولى استثمار الأموال لحساب الغير بوجه عام، ومن ثم يلزم لقيام الحظر أن يكون ما تباشره الشركة هو استثمار أموال لحساب الغير، وكان عقد استثمار المال لحساب الغير محله هو المال المستثمر الذي يتسلمه الطرف الأول من الطرف الآخر بغرض استثماره لحساب الأخير في نشاط قد لا يتفقا على نوعه نظير نسبة ربح محددة سلفاً يلتزم الطرف الأول بأدائها في المواعيد المتفق عليها، فضلاً عن رد المبلغ المستثمر عند انتهاء العقد، لما كان ذلك وكانت العلاقة بين طرفي النزاع قد انتظمها العقد المؤرخ 13/4/2016 والبين منه مشاركة الطاعن في مشروع نييرهود سيتي بتركيا وتملكه حصة فيه، وإذ كان الثابت من الأوراق أن هذه الشراكة محلها الحصة المملوكة للطاعن في المشروع المشار إليه تحديداً بالعقد وبنسبة أرباح اتفق عليه بين الطرفين وليس المال المساهم به منه هو محل العقد ولا تتمتع تلك الشراكة بالشخصية المعنوية وليس لها عنوان، وأن المطعون ضدها هي التي تتولى إدارتها فإن العلاقة بينهما تعد شركة محاصة وليس عقد استثمار أموال لحساب الغير، ويكون للطاعن بوصفه شريكاً فيها عند انقضائها مطالبة المطعون ضدها – المدير – بحصته ونصيبه في الربح وإذ تضمن اتفاق الطرفين المؤرخ 5/10/2016 تصفية الشراكة المذكورة بينهما واستحقاق الطاعن مبلغ …. دينار بعد تصفية الحساب بينهما وفقاً للبند السابع من العقد المشار إليه فإن المطعون ضدها تكون ملتزمة بأن تؤديه إليه ، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون معيباً مما يوجب تمييزه”.

ومما أوردته محكمة التمييز في حكمها نستخلص مجموعة من المبادئ القانونية التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  1. تكييف العلاقة كشركة محاصة: أوضحت المحكمة أن شركة المحاصة هي شركة تجارية تتميز بكونها مقصورة على العلاقة بين الشركاء، وتتسم بالخفاء، ولا تتمتع بشخصية اعتبارية، ولا تملك رأس مال مستقل. وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن العلاقة بين الطاعن والشركة تنطبق عليها هذه الأوصاف؛ فالشراكة كانت محصورة في مشروع عقاري محدد، ولم يكن لها كيان قانوني مستقل، وكانت الشركة تتولى إدارتها باسمها الخاص.
  2. التمييز بين شركة المحاصة واستثمار الأموال: وضعت المحكمة معياراً فارقاً بين الحالتين. فعقد استثمار الأموال لحساب الغير محله هو المال المستثمر ذاته، حيث يلتزم المستثمِر برد المبلغ الأصلي مع نسبة ربح محددة. أما في الحالة المعروضة، فكان محل الشراكة هو حصة الطاعن في المشروع العقاري نفسه، وليست الأموال التي ساهم بها. هذا التمييز الجوهري هو ما دفع المحكمة إلى استبعاد تكييف العلاقة كعقد استثمار أموال محظور.
  3. آثار انقضاء شركة المحاصة: أكدت المحكمة أنه عند انقضاء شركة المحاصة، لا يتم تصفيتها بالمعنى القانوني المعروف للشركات ذات الشخصية الاعتبارية، وإنما يقتصر الأمر على تسوية الحسابات بين الشركاء لتحديد نصيب كل منهم في الربح والخسارة. وعليه، فإن عقد التخارج لم يكن إلا تجسيداً لهذه التسوية، حيث أقر الطرفان باستحقاق الطاعن للمبلغ المحدد بعد تصفية علاقتهما في المشروع.
  4. تطبيق مبدأ “التقايل”: أشارت المحكمة ضمنياً إلى أن عقد التخارج يمثل “تقايلاً” عن العقد الأول، وهو ما يعني اتفاق الطرفين برضاهما على إنهاء العقد الأصلي. وبموجب هذا الاتفاق الجديد، نشأ التزام جديد ومستقل في ذمة الشركة بسداد المبلغ المتفق عليه، وهو ما يمنعها من التمسك بأي دفوع تتعلق بالعقد السابق الذي تم إنهاؤه بالفعل.

ملابسات النزاع يعطيك نبذة عما قصدناه بما أوردناه في مقدمتنا لباب المحاصة عندما تحدثنا عن المخاطر المصاحبة للدخول في المحاصة، ولقد رأينا كيف أن عقد التقايل قد ساهم في تعزيز المركز القانوني للشريك المحاص رافع الدعوى. ومن جهة أخرى، يعكس هذا الحكم فلسفة المشرع الكويتي في تنظيم شركة المحاصة، وهي الفلسفة القائمة على إطلاق مبدأ سلطان الإرادة، حيث اعتبرت المحكمة أن اتفاق الطرفين على تصفية الحساب وتحديد مستحقات الطاعن في عقد التخارج هو القانون الملزم لهما، ولا يجوز لأحدهما التنصل منه لاحقاً.


أضف تعليق