الباب الثامن – شركة المسؤولية المحدودة

في تبرير تسمية تلك الشركة باسم “الشركة ذات المسئولية المحدودة” أوضحت المذكرة التفسيرية لقانون الشركات الأول رقم 15/1960 أن هذه التسمية تعبر عن اختلاف هذا الشكل من أشكال الشركات عن شكل شركة التضامن، حيث جاء في المذكرة التفسيرية للقانون المشار إليه ما نصه:

“لقد أُريدَ بالشركة ذات المسئولية المحدودة أن تواجه وضعاً بارزاً في شركة التضامن حيث يكون كل من الشركاء مسئولين بالتضامن عن التزامات الشركة في جميع أموالها الخاصة، وهذه المسئولية بالغة الخطورة يستطيع الشركاء درءها إذا هم لجأوا إلى الشركة ذات المسئولية المحدودة. ففي هذه الشركة الأخيرة يجتمع عدد محدود من الشركاء، يعرف بعضهم بعضاً ويثق كل منهم بالآخر كما هو الأمر في شركة التضامن، ويضع كل حصته في رأس المال، وإلى هنا تقارب الشركة ذات المسئولية المحدودة من شركة التضامن، ولكن كل شريك لا يكون مسئولاً عن التزامات الشركة إلا بمقدار حصته في رأس المال، وهنا تفارق الشركة ذات المسئولية المحدودة شركة التضامن وتقارب شركة المساهمة فالشركة ذات المسئولية المحدودة وسط بين شركة التضامن وشركة المساهمة”.

وكما قرأنا، في بداية الكلام عن الشركة ذات المسؤولية المحدودة أوضحت المذكرة التفسيرية أن التسمية توضح الفارق بينها وبين شركة التضامن، ولكن في آخر الكلام كشفت المذكرة التفسيرية عن طبيعة تلك الشركة باعتبارها شركة وسط بين شركة التضامن وشركة المساهمة، تأخذ من شركة التضامن سمات محدودية عدد الشركاء، وتأخذ من شركة المساهمة محدودية مسؤولية الشريك، ومن ذلك يتضح أن التسمية (الشركة ذات المسؤولية المحدودة) تعبر عن جانب واحد فقط من جوانب تلك الشركة.

وأرى أن (محدودية مسؤولية الشريك) ليس هو الجانب الأكثر تمييزاً لها عما سواها من الشركات، إذ أن سمة (المحدودية) الأهم لا تتعلق بمسؤولية الشريك عن ديون الشركة من عدمه، بل تلتصق أكثر بوجود حد أقصى لعدد الشركاء لا يجوز تجاوزه، فهي شركة محدودة من حيث عدد الشركاء، إذ لا يوجد شركة تجارية لها حد أقصى لعدد الشركاء بنص القانون إلا الشركة ذات المسؤولية المحدودة.

ومن ثم نقترح أن يُكتفي بأن يكون اسمها (الشركة المحدودة)، فهو اسم مختصر وأكثر رشاقة وفي ذات الوقت أكثر تعبيراً عن الزاويتين أو الوجهين اللذين تتعلق بهما تلك المحدودية: محدودية عدد الشركاء ومحدودية مسؤوليتهم عن التزامات الشركة.

إن هيمنة الشركات ذات المسؤولية المحدودة (ذ.م.م.) على الشركات التي يتم تأسيسها في دولة الكويت، تعود إلى مجموعة من المزايا الجوهرية التي تلبي احتياجات رواد الأعمال والمستثمرين بشكل أفضل من الأشكال الأخرى، خاصةً تلك التي تحمل مسؤولية غير محدودة. إليك تحليل لأبرز هذه الأسباب:

2/1- المسؤولية المحدودة للشركاء: هذه هي الميزة الأبرز والأكثر جاذبية للشركات ذات المسؤولية المحدودة. بموجب هذا الشكل، حيث أن مسؤولية الشريك فيها عن ديون الشركة والتزاماتها تقتصر على مقدار حصته في رأس المال فقط. هذا يعني أن الأصول الشخصية للشريك (مثل منزله، سيارته، مدخراته) تكون محمية ولا يمكن للدائنين الوصول إليها لسداد ديون الشركة في حالة إفلاسها أو تعرضها لخسائر جسيمة. وذلك على النقيض من شكل المؤسسة الفردية، وشركات التضامن والتوصية البسيطة (بالنسبة للشركاء المتضامنين)، حيث تمتد المسؤولية لتشمل الذمة المالية الشخصية للشريك. هذا الفارق الجوهري هو ما يدفع معظم المستثمرين ورواد الأعمال لتفضيل الشركة ذات المسؤولية المحدودة.

2/3- الفصل بين الذمة المالية للشركة والشركاء: تتمتع الشركة ذات المسؤولية المحدودة بشخصية اعتبارية مستقلة وذمة مالية منفصلة عن ذمم الشركاء. هذا الفصل يوفر وضوحاً قانونياً ومالياً، ويجعل الشركة كياناً مستقلاً يمكنه التعاقد، وامتلاك الأصول، وتحمل الالتزامات باسمه الخاص، وليس باسم الشركاء الأفراد.

2/4- المرونة الإدارية: إذ يمكن إدارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة بواسطة مدير أو أكثر يتم اختيارهم من بين الشركاء أو من خارجهم (من الغير). هذا يمنح مرونة كبيرة في اختيار الكفاءات الإدارية اللازمة للشركة، بغض النظر عن كونهم شركاء أم لا.

2/5- المرونة النسبية في جنسية الشركاء:  وهذا على عكس الشركاء المتضامنين في التوصية البسيطة الذين يجب أن يكونوا كويتيين ويتحملون مسؤولية غير محدودة. مما يجعل الشركة ذات المسؤولية المحدودة هي الأكثر شيوعاً – هي والمحاصة – عند قيام المشاركة بين الكويتي والأجنبي.

2/6- سهولة التأسيس والتشغيل :  مقارنة بالشركات المساهمة التي تتطلب إجراءات تأسيس معقدة ورأس مال أكبر ومتطلبات حوكمة صارمة، فإن الشركة ذات المسؤولية المحدودة تتميز بإجراءات تأسيس وتشغيل أبسط وأقل تكلفة، حيث لا تخضع للعديد من الفرائض المالية التي تخضع لها شركات المساهمة بنوعيها.

2/7- عدم قابلية الحصص للتداول ووجود نظام الاسترداد: الحصص في الشركة ذات المسؤولية المحدودة غير قابلة للتداول، ويخضع التصرف فيها لنظام الاسترداد وهو ما يجعلها أكثر ملائمة للشركات العائلية والشركات التي تقوم على أساس من الاعتبار الشخصي.

2/8- الملائمة لمختلف أنواع الأنشطة: تُعد الشركة ذات المسؤولية المحدودة مناسبة لمجموعة واسعة جداً من الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية. وهذا الشمول يجعلها الخيار الأمثل للعديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تشكل غالبية الاقتصاد.

جمع قانون الشركات رقم 1/2016، الأحكام الخاصة بالشركات ذات المسؤولية المحدودة في الباب الثامن من القانون، وعددها 27 مادة، هي المواد من 92 وحتى 118،[1] والموزعة على أربع فصول على النحو التالي:

الفصل الأول – أحكام تمهيدية.

الفصل الثاني– شروط التأسيس.

الفصل الثالث– النظام القانوني للحصص.

الفصل الرابع– حقوق والتزامات إدارة الشركة.

ومن المعلوم أن شركات المسؤولية المحدودة تخضع كذلك للأحكام العامة الواردة في الباب الأول والثاني عشر بما لا يخالف الأحكام الخاصة الواردة في الباب الثامن، كما أن أحكام الباب الثامن نفسها قد أحالت في بعض المسائل إلى أحكام شركات المساهمة المقفلة، وهي إحالة قد تؤدي إلى أحكام باب شركات المساهمة العامة في المسائل التي أحال فيها باب شركة المساهمة المقفلة إلى أحكام باب المساهمة العامة.


أضف تعليق