الباب الخامس – المُحاصة

لا يوجد للمُحاصة ظهير مؤسسي ولا بنية قاعدية متكاملة خاصة تضفي عليها أي نوع من أنواع التنظيم أو الرقابة، حيث تركها المشرع لمفاعيل سلطان الإرادة، فجعل المحاصة طليقة من رقابة وتنظيم الجهة الإدارية التي تراقب وتنظم بقية الشركات، وبقيت تخضع للقواعد العامة التي تخضع لها كل العقود. وعلى الرغم من ذلك تُوفر المحاصّة مزايا عملية للتجار وأصحاب الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية، بما يجعلها خياراً مناسباً – في حالات محددة – لما توفره من حلول، ولكن يصحبها مخاطر تقل حدتها كلما أُحسن استخدامها.

أبرز ما تنفرد به المحاصّة هو سهولة قيامها، إذ لا تحتاج إلى إجراءات تأسيس معقدة ولا إلى تسجيل رسمي أو إعلان رأس مال، وهو يمنحها مرونة كبيرة في التكوين والإدارة. كذلك تسمح المحاصة بالحفاظ على الاسم التجاري والسمعة للشريك الظاهر، وتقلل من التكاليف المرتبطة بإنشاء كيان مستقل. وإضافة إلى ذلك. ولعل أكثر ما يميزها هو ملاءمتها للصفقات المؤقتة أو المشاريع قصيرة الأجل. كما يمكن إنهاؤها تلقائيًا بانتهاء الغرض المحدد لها.

وهناك حل فريد تقدمه المحاصة دون سواها من أشكال الشركات ذات الشخصية الاعتبارية، وهي أن القضاء الكويتي مستقر على أن بطلان العقود التي تجعل لغير الكويتيين أغلبية رأس المال لا يشمل عقد المحاصة.

لكن في المقابل، يترتب على غياب الشخصية الاعتبارية للشركة مخاطر جوهرية. فالمسؤولية أمام الغير تقع على عاتق الشريك الظاهر وحده، مما قد يحمّله أعباء مالية كبيرة إذا تعثر المشروع. كما أن عدم وجود كيان رسمي مستقل يجعل إثبات الشركة أو إثبات التزاماتها أمام القضاء مسألة صعبة، خاصة إذا لم يكن هناك عقد مكتوب وواضح. كذلك، فإن غياب الشفافية والرقابة المالية يفتح الباب أمام التلاعب أو الغش، وهو ما قد يثير نزاعات بين الشركاء. وبطبيعتها المؤقتة وغير المستقرة، تصبح المحاصّة غير مناسبة للمشاريع طويلة الأجل أو التي تتطلب هيكل إداري واضح ومستمر.

لتعظيم مزايا المحاصّة وتجنب مخاطرها، فإن الحل الفعّال يكمن في التوثيق الداخلي المُحكَم الذي يعوض غياب التنظيم التشريعي الكامل.

ففيما يخص العلاقة بين الشركاء وإدارة المحاصة، يجب أن يُبرم عقد مكتوب ومُفصَّل يحدد بدقة المسؤوليات ونسب الأرباح والخسائر، ولا يوجد ما يمنع من الاستعانة بالقواعد المعمول بها في بقية أنواع الشركات، مثل تحديد صلاحيات المدير المحاص وتشكيل مجلس للرقابة عند تعدد الشركاء، ومثل الاتفاق في عقد المحاصة على تكوين هيئة الشركاء وعلى دورية اجتماعاتها، وإلزام مدير المحاصة بإعداد تقرير بأعماله وبتقديمه لهيئة الشركاء. ولا يوجد ما يمنع تقييد حق رجوع الشريك الظاهر على بقية الشركاء إذا تجاوز صلاحياته أو خالف قرارات هيئة شركاء المحاصة، أو امتنع عن تقديم تقارير أعماله لهيئة الشركاء. وفي هذا تكرار وتفصيل:

فربما يكون من المهم تحديد صلاحيات الشريك الظاهر (مدير المحاصة) بشكل دقيق، خاصة فيما يتعلق بالديون أو الالتزامات الكبيرة، بحيث لا يتجاوز حدودًا متفقًا عليها إلا بموافقة مكتوبة من باقي الشركاء. بحيث يُقيَّد حق الشريك الظاهر في الرجوع عليهم بمدى التزامه بالحدود المرسومة له في عقد المحاصة.

ولا يوجد أي مانع قانوني أمام تضمين عقد المحاصة شروطاً تقرر إجتماعات دورية لشركاء المحاصة وتحدد اختصاصات هذه الاجتماعات التي لا يجوز للشريك الظاهر تجاوزها. ولا يوجد ما يمنع اتفاق الأطراف على إنطباق قواعد شركة المسؤولية المحدودة المنصوص عليها في قانون الشركات في شأن إدارة الشركة أو اجتماعات الشركاء، فتنطبق هذه القواعد ليس كانطباق القانون، ولكن باعتبارها شروطاً تعاقدية.

ولتعزيز الشفافية والرقابة المالية، يُستحسن فتح حساب بنكي مخصص للمشروع في اسم الشريك الظاهر واستخدامه حصريًا لإيرادات ونفقات الشركة، مع إلزامه بتقديم تقارير مالية دورية ومفصلة للشركاء. كما يمكن الاتفاق على الاستعانة بمدقق حسابات بشكل دائم أو عند الحاجة لضمان دقة البيانات وحماية مصالح الأطراف.

أما من حيث تعظيم الفوائد، فإن المرونة التي توفرها المحاصّة ينبغي استغلالها بتوزيع الأرباح وفق معايير متعددة تشمل الجهد والخبرة، وربطها بمؤشرات أداء واضحة لتحفيز الشركاء. كما ينبغي تحديد نطاق زمني وموضوعي دقيق للشركة، بحيث يقتصر غرضها على مشروع محدد أو فترة زمنية قصيرة، مما يحافظ على طبيعتها البسيطة ويجنبها التعقيدات الطويلة. وإبقاء التعامل الخارجي باسم الشريك الظاهر يساهم في حماية العلامات التجارية والسمعة لبقية الشركاء.

خلاصة ما تقدم أننا نقول بأن شركة المحاصّة، رغم ما يكتنفها من مخاطر فإنه يمكن الحد من تلك المخاطر، إذا أُحسن توثيقها وتحصينها من الداخل. فهي تظل صيغة مرنة وسرية، لكنها بحاجة إلى ضبط قانوني ومالي محكم لإقامة التوازن بين المزايا العملية والحماية من المخاطر.

علاوة على المادة 2 التي كانت تنص على أنه فيما عدا شركة المحاصة تتمتع جميع الشركات التجارية بالشخصية المعنية – جمع قانون الشركات الأول أحكام شركة المحاصة في المواد من 56 حتى 62. حيث حيث كانت المادة 56 تنص على أن شركة المحاصة شركة تجارية تعقد بين شخصين أو أكثر، على أن تكون الشركة مقصورة على العلاقة فيما بين الشركاء، فلا تسري في حق الغير. وكانت المادة 57 تنص على أنه لا يخضع عقد شركة المحاصة للقيد في السجل التجاري ولا للعلانية، ويبرم بين الشركاء لتعيين حقوقهم والتزاماتهم، ولتحديد كيفية اقتسام الأرباح والخسائر بينهم، وغير ذلك من الشروط. ونصت على أن يسري على هذا العقد بوجه عام المبادئ المقررة في عقد الشركة. وكانت المادة 58 تنص على أن عقد شركة المحاصة يثبت بجميع الطرق، ويدخل في ذلك البينة والقرائن. وكانت المادة 59 تنص على أنه ليس لشركة المحاصة شخصية معنوية، ولا يكون للغير رابطة قانونية في أعمال الشركة إلا مع الشريك أو الشركاء الذين تعاقد معهم. وكانت تنص على أن يرجع الشركاء بعد ذلك بعضهم على بعض، فيما يتعلق بأعمال الشركة، وفي مدى ارتباطهم بها، وفي حصة كل شريك في الربح وفي الخسارة، وفقاً لما اتفقوا عليه في العقد المبرم بينهم. وكانت المادة 60 من ذلك القانون كانت تنص على أنه استثناء من أحكام المادة 59 من ذلك القانون، يجوز للغير أن يتمسك بعقد الشركة إذا تعاملت معه الشركة بهذه الصفة. ولقد كانت المادة 61 تنص على أنه إذا لم يكن الشريك الذي يتعامل مع الغير كويتي الجنسية، وجب أن يكفله كويتي في هذا التعامل. وكانت المادة 62 من ذلك القانون تنص على  أنه لا يجوز لشركة المحاصة أن تُصدر أسهماً أو سندات قابلة للتداول.

لقد خصَّ المشرعُ تنظيمَ شركة المحاصة بأربع مواد فقط من مواد القانون رقم 1/2016 البالغ عددها 306 مادة،[1] وهي المواد من 76 وحتى 79 التي جاءت كل منها على النحو التالي:

المادة 76 – تعريف المحاصة.

المادة 77 – عدم خضوع المحاصة للقيد والعلانية، وتولي عقدها بيان شروطها، وتسري على عقدها مبادئ عقد الشركة، ويثبت عقدها بكافة طرق الإثبات.

المادة 78 – انتفاء الشخصية الاعتبارية عن المحاصة، وعلاقة الغير بها، وأحقية الشركاء في الرجوع على بعضهم البعض.

المادة 79 – حق الغير في التمسك بعقد المحاصة إذا تم التعامل معه على هذا الأساس.

وبالضغط على رابط كل مادة يمكنك الإطلاع على شرحنا لمواد قانون الشركات المتعلقة بالمحاصة، مع مجموعة كبيرة من الأحكام القضائية التي تحظى في نطاق المحاصة بأهمية أكبر نظراً إلى أن الاجتهاد القضائي قد تصدى – ضمنياً – لدور وضع المبادئ أو القواعد التي تنظم المحاصة.[2]

وفوق شرح مواد باب المحاصة، سنعرض – في فصول مستقلة – إلى بعض الموضوعات المهمة المتعلقة بشركة المحاصة والتي لم يرد فيها نص في القانون رقم 1/2016، وذلك في ضوء ما استقرت عليه أحكام التمييز، وهذه الموضوعات هي:

– إدارة المحاصة.

– انقضاء شركة المحاصة وتصفية الحساب بين الشركاء فيها.

– المشروع المشترك Joint Venture، وموضوع اتحاد الشركات Consortium.

مادة (76)

مادة (77)

لا يخضع عقد شركة المحاصة للقيد في السجل التجاري ولا للعلانية ويبرم العقد بتعيين حقوق الشركاء والتزاماتهم ولتحديد كيفية اقتسام الأرباح والخسائر بينهم، وغير ذلك من الشروط.

وتسري على هذا العقد بوجه عام المبادئ المقررة في عقد الشركة.

ويثبت العقد بكافة طرق الإثبات، بما في ذلك البينة والقرائن.

مادة (78)

ليس لشركة المحاصة شخصية اعتبارية، ولا يكون للغير رابطة قانونية بأعمال الشركة إلا مع الشريك أو الشركاء الذين تعاقد معهم.

ويرجع الشركاء بعضهم على بعض، فيما يتعلق بأعمال الشركة وفي مدى ارتباطهم بها، وفي حصة كل شريك في الربح وفي الخسارة وفقاً لما اتفقوا عليه.

مادة (79)

استثناء من أحكام المادة السابقة، يجوز للغير أن يتمسك بعقد الشركة إذا تعاملت معه بهذه الصفة.


أضف تعليق