الباب الثالث عشر – ف 02 (العقوبات) معضلة مع عدم الإخلال بعقوبة أشد

لقد تواتر مسلك المشرع على أن يستخدم – في القوانين الخاصة – العبارة: “مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر، ..” بذات الصياغة أو بصياغة تؤدي إلى ذات المعنى. ولقد استخدم تلك العبارة في المواد العقابية في قانون الشركات، وبالتالي فإن موضوع هذا المبحث هو هذه الصيغة المتواترة لمعرفة مضمونها، وما إذا كان من المناسب العدول عنها أو البحث عن صيغة أخرى مختلفة.

ويثور التساؤل أولاً عما يقصده المشرع من وراء هذه العبارة، هل قصد بها أن نصوص التجريم والعقاب الواردة في قانون الشركات إنما هي نصوص إحتياطية لا يجوز اللجوء إليها إلا إذا ثبت أن قانون الجزاء أو القوانين الأخرى لا تجرم ذات الفعل أو أنها تجرمه ولكن تقرر له عقوبة أشد من العقوبة المقررة في قانون الشركات.

هل تثير هذه الصيغة العلاقة بين النصوص الأصلية ونظيرتها الاحتياطية، وبالتالي فعند التنازع تطبق النصوص الأصلية، وفقاً للمعيار الذي وضعه النص، وهو أن يكون النص الأصلي قد قرر عقوبة أشد. أم أن هذه الصيغة لا تخرج عن كونها تطبيقاً وترديداً للقواعد الخاصة بالتعدد بين الجرائم، وتحكمه المواد الخاصة بالتعدد المادي والمعنوي والاستثناءات الواردة عليه؟ فإن كان الأمر كذلك، فما هي الفائدة من ورائها؟ وأليس من اللازم القيام بإلغائها، نظراً لما تولده من لبس وغموض، يتنافى مع ما يجب أن يتوافر في النص الجنائي من وضوح وتحديد وضبط وتناسب بين الجريمة والجزاء؟ هذه الإشكالية الأساسية لموضوع هذا البحث.

1- هذه الصياغة المستخدمة في قانون الشركات هي منهج اتبعه المشرع الكويتي في العديد من التشريعات، إذ اعتاد المشرع استخدامها وقلما تجنب استخدامها كلما كان بصدد وضع نص عقابي.

2- هذه الصيغة وما تثيره من مشكلات لا يجوز أن تختلط بالصيغة الأخرى التي تجري عليها بعض النصوص ويكون الغرض منها وجود جزاءات جديدة تطبق إلى جانب عقوبات مققرة في نصوص سابقة، سواء تمثلت هذه الجزاءات في عقوبات تكميلية أو تدابير احترازية.

3- عبارة “مع عدم الإخلال بأي عقوبة ينص عليها قانون آخر ..” منطوقها يعني أن القاضي – قبل أن يطبق العقوبة الواردة في مواد قانون الشركات – عليه أن يُعمِل فكره ويقوم بجولة قانونية في رحاب قانون الجزاء وكذلك القوانين الخاصة، فإن وجد نصاً يقرر عقوبة أشد طبقه، وإن لم يجد طبق النص الخاص الموجود في قانون الشركات.

ولكن إمعان النظر في هذا النص يكشف أنه قد يصطدم بمجمعة من المبادئ والقواعد القانونية المستقرة في القانون الجزائي.

4- يحكم قانون الجزاء من حيث الزمان ثلاث قواعد: الأولى- تتمثل في عدم تطبيق القانون الذي يسيء إلى مركز المتهم بأثر رجعي. الثانية- تتمثل في تطبيق القانون الأصلح للمتهم بأثر رجعي. والثالثة – هي وضع حكم خاص بالقوانين المحددة الفترة والتي يُنظر إليها غالباً على أنها استثناء من القاعدة الثانية.

5- ولقد نص دستور دولة الكويت في المادة 32 منه على الآتي:

“لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها”.

ولقد نصت المادة 14 من قانون الجزاء على أنه:

“يُعاقب على الجرائم طبقاً للقانون المعمول به وقت ارتكابها، ولا يجوز أن توقع عقوبة من أجل فعل ارتكب قبل نفاذ القانون الذي قرر عقوبة على هذا العمل”.

ثم نصت المادة 15 من قانون الجزاء على أنه:

“إذ صدر – بعد ارتكاب الفعل وقبل أن يحكم فيه نهائياً – قانون أصلح للمتهم، وجب تطبيق هذا القانون دون غيره.

ومع ذلك إذا صدر بعد الحكم النهائي قانون يجعل الفعل غير معاقب عليه إطلاقاً، وجب تطبيق هذا القانون واعتبار الحكم كأن لم يكن”.

ثم نصت المادة 16 من قانون الجزاء على أنه:

“استثناء من أحكام المادة السابقة، إذا كان القانون الذي يقرر العقوبة قانوناً مؤقتاً بمدة معينة دعت إلى إصداره ظروف طارئة، وجب تطبيقه على كل فعل ارتكب أثناء مدة سريانه، ولو انتهت مدته أو ألغي لزوال الظروف الطارئة وكان ذلك قبل صدور الحكم النهائي في خصوص هذا الفعل”.

وأما من حيث إجراءات المحاكمات الجزائية، نصت المادة 17 من قانون الجزاء على أنه:

“تسري القوانين الشكلية على كل إجراء يتخذ أثناء سريان هذه القوانين، ولو كان يتعلق بجريمة ارتكبت قبل سريانها.

وكل إجراء تم صحيحاً في ظل قانون معمول به يبقى صحيحاً، ما لم ينص على غير ذلك”.

أما وقد جاء قانون الشركات رقم 1/2016 ليلزم القاضي بالبحث في المنظومة العقابية كاملة عن نص آخر يقرر عقوبة أشد، فإن وجده التزم بتطبيقه، فلا شك أن هذا المنهج يخالف القواعد الدستورية والقانونية المشار إليها أعلاه. فتطبيق القواعد العامة والمبادئ الدستورية كفيل بحل مشكلة تنازع النصوص دون حاجة إلى هذه الصياغة.

بل وما يعقد الأمر هو أن قواعد التفسير لا يمكن أن تنفذ من هذه الإشكالية ذلك في حالة النصوص العقابية الواردة في القانون 1/2016، الذي هو قانون لاحق على تشريعات سابقة عليه، وقواعد التفسير ترجح الخاص على العام، وترجح الأحدث على الأقدم.

فإذا كان القانون الجديد هو الأصلح للمتهم وجب تطبيقه نزولاً على القواعد الدستورية السابقة، وذلك فإن القول بوجود عقوبة أشد في نص آخر في قانون سابق والاستناد إلى ذلك في الامتناع عن تطبيق القانون الجديد يعد مخالفة صريحة للقواعد الدستورية والقانونية المشار إليها.

أضف تعليق